
وقع أكثر من 13500 طالب وطالبة في محافظة السويداء من المتقدمين لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، ضحيةً للتعقيدات السياسية والأمنية التي تعيشها المحافظة، فقرار وزارة التربية والتعليم السورية بنقل المراكز الامتحانية لطلبة المحافظة إلى دمشق وريفها؛ حرم الكثير من الطلاب من التقدم لامتحانات الشهادة، وحوّل العملية التعليمية المفترض أنّها نزيهة ومستقلة إلى واحد من أساليب الضغط السياسية التي تعتمدها الحكومة المركزية في دمشق على المرجعية الدينية والسياسية في السويداء، ممثلةً بفصائل الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري.
من جهتها، تبرر حكومة دمشق قرارها بتطبيق مبدأ السيادة الكاملة لوزارة التربية على آليات التقييم الوطني، مستمرةً بذلك في نهجها الذي بدأته العام الماضي، والذي يقضي بـ«عدم الاعتراف بامتحانات طلاب شهادة الثانوية العامة لطلاب دورة 2024-2025»، موضحةً أن قرار نقل الامتحانات جاء نتيجة «غياب المقومات التربوية واللوجستية اللازمة داخل السويداء»، التي تشهد توترات وحراكاً مستمراً. من جهتهم، يجد عدد من أهالي السويداء أن قرار النقل هو عقاب جماعي سياسي كيدي، تفرضه الحكومة على المحافظة بسبب مواقفها السياسية الأخيرة.
أعباء نفسية واقتصادية
بين الخوف على سلامة أبنائهم، وبين اتخاذ موقف من قرارات الحكومة الجائرة، قرر أغلب الطلاب وأهاليهم مقاطعة الامتحانات خارج المحافظة، لذا لم تتجاوز نسبة الطلاب المتقدمين للامتحان في الشهادتين أكثر من 5%، مع اتهامات من قبل الإعلام الرسمي للفصائل التابعة للهجري بـ«قطع الطرقات، لحرمان الطلاب بالقوة من الالتحاق بمستقبلهم تحصيلاً لمكاسب سياسية»، وخاصة بعد فشل المفاوضات التي قادتها وساطات أممية للتوصل إلى تسوية تُبقي الامتحانات داخل السويداء، بعد إصرار دمشق على دخول وفد وزاري ترافقه قوة من الأمن العام للإشراف على المراكز، وهو الشرط الذي رفضته فصائل السويداء بشكل حاسم، معتبرةً إياه محاولة لإعادة القبضة الأمنية للمحافظة عبر بوابة القطاع التربوي.
تبرر حكومة دمشق قرارها بعدم الاعتراف بامتحان لم تجره وزارة التربية بتطبيق مبدأ السيادة الكاملة للوزارة على آليات التقييم الوطني مستمرةً بذلك في نهجها الذي بدأته العام الماضي
تتحدث سيلين طالبة شهادة البكالوريا لـ «الأخبار» بمرارة عن حالتها النفسية قائلةً: «درسنا على ضوء الشموع، وتحملنا كل الظروف لنصل إلى الامتحان، لنجد أنفسنا مطالبين بالاختيار بين خسارة مستقبلنا التعليمي، أو المجازفة بالسفر في أجواء مشحونة أمنياً ونفسياً لا تسمح بتقديم ورقة امتحان واحدة بشكل طبيعي». أما علاء الذي رضخ لقرار والديه بالامتناع عن تقديم الامتحان، يقول: «كنت سأخاطر لأجل مستقبلي، لم أكن أتخيل ألا أكون العام القادم في الجامعة، لكن رغبة أهلي وخوفهم عليّ جعلاني استسلم»، بينما يؤكد والده أن العائلة اتخذت موقفاً مؤيداً لموقف فصائل «الحرس الوطني» برفض شروط حكومة دمشق غير العادلة.
العبء الاقتصادي
الأعباء الاقتصادية تمثل حاجزاً آخر يعيق تقديم الامتحانات خارج السويداء، على الرغم من الوعود الحكومية بتأمين النقل المجاني للطلاب، يدرك الأهالي أن الإقامة في العاصمة وريفها تتطلب مصاريف رديفة تفوق قدرة العائلات المنهكة مادياً. هنا، يقول أبو عماد: «ليس من السهل على الطالب قطع مسافة ٣٤٠ كيلو متر ذهاباً وإياباً، فنحن نسكن في قرية تبعد عن مركز مدينة السويداء ما يقارب ٧٠ كيلو متر، السفر بشكل يومي من وإلى السويداء سينعكس سلباً على أداء الطلاب في الامتحان، لذلك اتخذنا قرار ببقاء ابني لدى أحد أقاربنا في صحنايا، (قرب مركز الامتحانات) أثناء فترة الاختبار، بذلك نكون قد وفرنا بعض المصاريف التي لا تقوى عليها كافة الأسر».
الضغط مستمر
الآثار المترتبة على حرمان حوالي 12 ألف طالب وطالبة من تحصيلهم العلمي هذا العام، وحوالي 4400 طالب وطالبة العام الماضي لم تعترف الحكومة بامتحاناتهم ولم تمنحهم شهادات، تمثلت بإحباط عام وتشتت يعيشه الطلاب في هذه المرحلة الحساسة من المسيرة التعليمية. يقول مصدر في مديرية تربية السويداء رفض التصريح عن اسمه: «بناءً على ما حصل ستتعطل العملية التعليمية في المحافظة بسبب عدم وجود طلاب في الصف الأول الثانوي للعام الدراسي ٢٠٢٦ / ٢٠٢٧، وانعكاس ذلك على النصاب التدريسي للمدرسين والهيكلية داخل المدارس، إضافةً إلى ضياع عام دراسي كامل على عدد كبير من الطلاب وتأخير دخولهم إلى المعاهد والجامعات»، مشيراً إلى أنه «يجب العمل للحصول على موافقة الطلب المقدم إلى وزارة التربية والتعليم المتضمن إجراء دورة امتحانية استثنائية لطلاب السويداء وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها، إلى جانب استمرار الضغط الشعبي عبر الوقفات الاحتجاجية للمطلب ذاته».
وتستمر مجموعة من الطلاب والناشطين بتنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بإجراء الامتحانات في السويداء عبر دورة استثنائية، يومياً في 3 أحياء على الأقل، حيث انطلقت الفكرة عندما قررت مجموعة من الطلاب والناشطين من أحياء مختلفة، البدء بوقفات احتجاجية أمام منازلهم للمطالبة بحقهم الطبيعي في إجراء الامتحانات في محافظتهم. تقول عبير إحدى المشاركات وهي أم لطالبة بكالوريا: «الوقفات تعتمد على الطابع المدني والاجتماعي بعيداً عن السياسة، وتهدف فقط إلى توجيه مطالب للأمم المتحدة والمنظمات الدولية لإجراء الامتحانات وفق القوانين الدولية والإنسانية، وضمان حق الطلاب باستكمال تحصيلهم العلمي».



